الصفحة الرئيسية / كتابات وآراء / الحياة على الشاشة أجمل
سعدية مفرح

الحياة على الشاشة أجمل
الخميس, 16 يونيو, 2016 02:55:00 مساءً

لم تعد الدنيا مسرحاً كبيراً، كما اعتبرها ذات يوم الراحل يوسف وهبي، عندما كان المسرح هو الفن التمثيلي الأول، بل تحولت إلى شاشةٍ كبيرةٍ احتوت حتى المسرح نفسه، فتوحّدت في زجاجها المشع صور الحياة وصنوفها وأطوارها، واختلفت مسميات هذه الشاشة، من شاشة سينما إلى شاشة تلفزيون إلى شاشات الأجهزة اللوحية والكفية المختلفة. العالم كله صار يعيش على كف شاشة بتعبير عبدالله الغذامي.

ليس الفرق كبيراً بين ما نعيشه على أرض الواقع وما نراه على الشاشة أحياناً، نتابع مسلسلاً فنتماهى مع شخصياته، وتعلق فينا روائح الأمكنة التي تمر عليها الكاميرا سريعاً أو بطيئاً، وهي تصور الأحداث. نبكي أحياناً مع بكاء إحدى الشخصيات، ونضحك مع ضحك شخصيات أخرى. وكثيراً ما يتلاشى حد الشاشة الفاصل ما بيننا، نحن الجالسين أمامها، وبين الحياة الأخرى التي تجري فصولها وتتعاقب وراءها.

نعيش الحياة الجديدة أمامنا افتراضياً، وسرعان ما نخضع للتصنيف، وفقاً لقناعاتنا وآرائنا مع البشر الذين يعيشون خلف الشاشة، بدلاً منا كما يبدو. نعرف بالتأكيد أن الأمر مجرد تمثيل في تمثيل. ومع هذا، نختار أن نتناسى، ليسهل علينا الاندماج تماماً.

لا أعرف من الذي اخترع فكرة التمثيل، ولماذا اخترعها.


لا أصدّق أن التسلية وحدها ما دفعته إلى أن يفكّر بخلق حياةٍ جديدةٍ، يتشارك فيها مع آخرين، ليستعرضها أمام آخرين غيرهم على سبيل الفرجة. لا بد أنه فعلها أولاً، على سبيل التعويض الذاتي عن العجز في صناعة حياةٍ دقيقة التفاصيل، تجري أحداثها على ما يشتهي، أو على الأقل كما يتوقع. ولا بد أن العجز عن العيش في ظل مثل هذه الحياة الافتراضية في واقعه دفعه إلى التمثيل، لكن النتيجة النهائية آلت إلى أن تكون حالةً جماليةً بحتةً، بالإضافة إلى أدوار وظيفية أخرى، يحلو لبعضهم أن يضفيها عليها.

قبل سنوات عديدة، قابلت فنانة كويتية كبيرة. كنت ما زلت على مقاعد الدراسة، وكانت أول ممثلةٍ أقابلها في حياتي، وكانت الأسئلة هي بذرة الصحافة الأولى في حلمي الصغير. ولأنني كنت مندهشة يومها من فكرة أنني أرى فنانتي المحبوبة على الشاشة إنساناً من لحم ودم أمامي، فقد كان سؤالي الأول لها عن شعورها، وهي تشاهد عملاً تلفزيونياً أو فيلماً سينمائياً، أمامها على الشاشة، وهل تندمج في المشاهدة، كما نفعل نحن، أم أنها محرومة من ذلك الشعور اللطيف بالتماهي مع ما تراه، لأنها تعرف بئر التمثيل وغطاءه، وبالتالي، لن يكون من السهل عليها الوقوع فيه؟ وماذا لو رأت عملاً لها هي شخصياً؟ هل سترى نفسها في تلك الحالة، وكأنها أمام مرآة، أم ستعيش الحالة مرة أخرى، كما نعيشها نحن المشاهدين الآخرين؟
فوجئت بإجابتها، إذا قالت إنها تنسى تماماً أنها ممثلة، وهي تشاهد عملاً لها أو لغيرها، وإنها تندمج في ما تراه على الشاشة، حتى إنها تنسى، أو تتناسى، نهايات المسلسلات التي تشارك في تمثيلها، ربما عمداً، لا لكي تستمر في المتابعة وحسب، ولكن، أيضاً، لكي تستمر في التمثيل. والجميل أنها اعتبرت ذلك من نعم الله عليها، وأنها لولا ذلك، لحرمت من متعة تلقي الفن. ويبدو أن الفنانة الجميلة يومها كانت تتوقع، من طبيعة أسئلتي، أنني أطمح للدخول في مجال التمثيل، فهمست في أذني، وهي تغادر المكان قائلة؛ "بيني وبينك.. الحياة التي نمثلها على الشاشة أجمل.. حتى شرورها تبدو أجمل".
بعد مرور ما يقرب من ثلاثين عاماً على لقائي القديم بتلك الفنانة، أشاهدها هذه الأيام على الشاشة بدور كبير تؤديه في مسلسل محلي.. أعيش بعض تفاصيله في حياتي. فأتأكد من صدق همستها القديمة: الحياة على الشاشة أجمل.. كما يبدو.

"العربي الجديد"

للمزيد من التفاصيل والاخبار تابعوا صفحتنا على الفيس بوك


شارك المقال أصدقاءك:

لندك ان جوجل بلس أضافة للمفضلة طباعة المقال
279

لا تدع الأخبار تفوتك، أحصل على آخر الأخبار على بريدك:
تعليقات حول المقال
  • الغرض من خدمة التعليقات هي إيضاح وجهات النظر المختلفة فنرجو إلتزام الموضوعية والجدية في التعليق
  • "التعليقات تمثل أصحابها" ، فالرجاء عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
0  تعليق




لاتوجد تعليقات الأن. كن أول شخص وأكتب تعليقك على المقال
No comments yet. Be the first and write your comment now




أضف تعليقك :
الأسم *
الموضوع
كود التحقق *
التعليق (الأحرف المتاحه: --) *
 *حقول لا يجب تركها فارغة

 



 
 
حمل تطبيقاتنا على جهازك أو هاتف الذكي وتابع معنا آخر الأخبار والمستجدات
 
 
 
كاريكاتيرات
 
 
فيديو
 



 

[ الكتابات والآراء تعبر عن رأي أصحابها ولا تمثل في أي حال من الأحوال عن رأي إدارة يمن برس ]  -  جميع الحقوق محفوظة لـ يمن برس 2006 - 2018 ©