الصفحة الرئيسية / تقارير وحوارات / المملكة العربية السعودية ومحاولات تدشين محور سني لمواجهة المحور الأمريكي الإيراني الجديد
المملكة العربية السعودية ومحاولات تدشين محور سني لمواجهة المحور الأمريكي الإيراني الجديد
الخميس, 30 يوليو, 2015 02:38:00 مساءً

النشرة البريدية:
لا تدع الأخبار تفوتك، أحصل على آخر الأخبار على بريدك:
المملكة العربية السعودية ومحاولات تدشين محور سني لمواجهة المحور الأمريكي الإيراني الجديد
أَضغط هنا لمشاهدة الصورة بحجمها الأصلي

*يمن برس - شؤون خليجية
كشفت التطورات الإقليمية والدولية التي شهدتها المنطقة في الآونة الأخيرة، أننا إزاء محاولات أمريكية لإعادة رسم خارطة الشرق الأوسط من جديد، تلك المحاولات بدأت منذ فترة طويلة وتحديدًا منذ انتهاء الحرب الباردة، وتحول العداء الأمريكي ناحية الشرق الأوسط وتحديدًا ناحية المنطقة العربية، وفي القلب منها منطقة الخليج العربي، التي استخدمت الولايات المتحدة أنظمتها خلال الفترة الماضية، كأدوات لمساعدتها في الإسراع في عملية إعادة الترتيب التي تخطط لها، وتستهدف من ورائها السيطرة على المنطقة وإدماج الكيان الصهيوني في داخلها.
 
 وقد كانت البداية الحقيقية لتلك العمليات الاحتلال العراقي للكويت، الذي شرع للوجود العسكري الأمريكي في المنطقة من خلال قواعدها المنتشرة في غالبية دول الخليج العربي، والتي عمدت إلى تقوية الوجود الإيراني في المنطقة، من خلال السماح لإيران بلعب دور قوي ومؤثر في إدارة شؤون العراق أثناء وبعد رحيل القوات الأمريكية عنه، وغض الطرف عن المحاولات الإيرانية لاستكمال مشروع الهلال الشيعي في المنطقة، من خلال حلفاء إيران في سوريا واليمن ولبنان.
 
 وهو ما نجحت فيه إيران بشكل كبير، لولا التدخلات الأمريكية الأخيرة لتحجيم هذا النفوذ ووضعه تحت السيطرة، بحيث تبقى دائمًا الكلمة العليا للولايات المتحدة، وبحيث يستعر الخلاف الشيعي السني وتبقى المنطقة باستمرار تحت الرحمة الأمريكية، التي تريد أن تعيد ترتيبها بحيث تتحول لدويلات صغيرة متناحرة لا تقدر على حفظ أمنها ولا استقرارها، دون الحصول على دعم الشريك الأمريكي، الذي يحاول أن يعيد السيطرة على العالم من خلال بوابة الشرق الأوسط، الأمر الذي يضع مستقبل الأنظمة العربية، وفي القلب منها الأنظمة الخليجية، على المحك، ويجعلها تسابق الزمنــ الآن ــ لتشكيل حلف سني لمواجهة الأخطار التي باتت تهدد وجودها، وتدخلها في آتون حرب مستعرة بين بعضها البعض، قد تقضي على مقدرات المنطقة وتستنزف ثرواتها.
 
الحلف الأمريكي الجديد
 
اعتمدت الأنظمة الخليجية في إدارتها لصراعها المشتعل مع إيران منذ فترة طويلة، على الحليف الأمريكي الذي زعم أنه يوفر لهم مظلة أمنية في مواجهة أي تهديدات إيرانية موجهة إليهم، إلا إنه في الوقت ذاته كانت الولايات المتحدة بمختلف إداراتها السياسية الجمهورية والديموقراطية، تدير حوارًا سريًا وغير مباشر مع إيران، لإفساح المجال لها للعب دور مؤثر في مستقبل المنطقة، سواء بشكل مباشر مثلما هو حادث في العراق وسوريا، أو غير مباشر مثلما هو الحال في لبنان واليمن.
 
فمنذ ثمانينيات القرن الماضي والعلاقات الأمريكية – الإيرانية تشهد تناقضًا فجًا، ففي الوقت الذي احتلت فيه إيران السفارة الأمريكية في طهران عام 1980، انكشفت فضيحة إيران غيت سنة 1983، التي أظهرت مد أميركا إيران بالأسلحة أثناء حربها مع العراق.
 
وقد تأكد ذلك بعد عقدين، إذ ظهر التنسيق الأمريكي الإيراني سنة 2003، حين تقدمت القوات الأميركية لاحتلال العراق، وتركت إيران لتهيمن على السلطة عبر فئات مرتبطة بها.
 
وفي كل الحالات، كان "التوسع" الإيراني يمرّ من الشقوق التي توجدها أميركا وبرضاها، رغم التضليل الإعلامي الذي كان يركز على الخلافات التي تحكم العلاقة بين الطرفين، ويظهر "التناقض" الذي يحكم مصالحهما.
 
هذه العلاقة الملتبسة ظلت تحكم العلاقات طيلة كل تلك العقود، وهو الالتباس الذي كان يعطي للنظام الإيراني مسافة يستطيع فيها التكلم باسم المقاومة، واللعب باسم "الشيعة" مرة، وباسم فلسطين مرة أخرى، من أجل السيطرة والهيمنة، بعد أن اتخذ من شعار "الموت لأميركا" عنوانًا عامًا، حيث كان واضحًا أن السلطة في إيران تعمل بكل السبل لمد سيطرتها على المشرق العربي، وتعزيز نفوذها الدولي عبر ذلك، والتحول إلى قوة دولية لها امتداداتها ونفوذها، بما يخدم مصالحها.
 
وعلي عكس ما يرى البعض، تحاول الولايات المتحدة من خلال تلك الترتيبات الحفاظ على مصالحها في منطقة الشرق الأوسط، فحسب الاستراتيجية الأمريكية الجديدة التي تبلورت بداية سنة 2012، تمثل الصين الخطر الأكبر على المصالح الأمريكية في المنطقة، وهناك تخوف من قيام دول الخليج العربي بالتوجه نحو الصين على حساب المصالح الأمريكية، وهو ما لن يتحقق إلا من خلال إيران، التي تعتبرها أمريكا منطقة عزل طبيعية ما بين دول الخليج من جهة والصين من جهة أخرى.
 
فمواجهة "الخطر الصيني" المحتمل جعل إيران مفصلًا مهمًا في الاستراتيجية الأميركية، لقطع الطريق على الصين للوصول إلى الخليج في حال تصاعد الصراع معها. بالتالي، بات التفاهم مع إيران، والتحالف معها، أمرًا أساسيًا في السياسة الأميركية في "الشرق الأوسط"، وفي الخليج خصوصًا.
 
إلا أن المشكلة بالنسبة للولايات المتحدة كانت تتمثل في "الطموح الإيراني"، والذي كان يجعلها تتمرد على أن تكون أداة أميركية، بل تريد أن تكون وكيلًا كاملًا، ربما كما في عهد الشاه، وحتى أكثر.
 
ولهذا عملت أميركا خلال الفترة الماضية، ضمن سياسة تؤدي إلى فرض "التواضع" عليها، عبر العقوبات الاقتصادية التي تصاعدت لتصل إلى فرض الحصار على البنك المركزي الإيراني، الأمر الذي كان يعني التحكم في بيع النفط الإيراني نتيجة أن الدولار هو العملة التي يباع بها، وبالتالي لم تعد إيران قادرة على بيع النفط، لأن ريعه يحجز من قبل البنك المركزي الأميركي، مما أدخل إيران في أزمة اقتصادية، باتت تهدد بانفجار داخلي، وفي عجز عن تمويل دورها الإقليمي، في العراق وسوريا ولبنان واليمن.
 
ومن ثم لجأت أميركا للتفاوض مع إيران وهي "تحت الضغط"، من أجل أن تقبل بتوافق يعطيها دورًا إقليميًا ضمن حدود السياسة الأميركية تجاه المنطقة، أي أن تصبح جزءًا من الاستراتيجية الأميركية تجاه المنطقة، وليست قوة إقليمية لديها طموح السيطرة والهيمنة.
 
وفي هذا الإطار سمحت الولايات المتحدة للسعودية بتكوين تحالف إقليمي لتعديل الوضع في اليمن، وتوضيح حدود القدرة الايرانية، وبالتالي إعطاء أميركا القدرة على فرض توافق "متوازن"، يحد من الجموح الإيراني بالأساس.
 
وعلى صعيد متصل، وعلى عكس الضجيج الاعلامي الذي تثيره إسرائيل فيما يتعلق برفض الاتفاق النووي الإيراني، أكد العديد من الخبراء، ومنهم الكاتب الأمريكي تريتا بارسي الاستاذ بجامعة" جون هوبكينز" وصاحب كتاب العلاقات السرية بين إسرائيل وإيران، أن إيران هي الدولة الثانية في الشرق الأوسط بعد إسرائيل التي تضم يهودًا، كما يضم البرلمان الإيراني نوابًا من اليهود.
 
وأضاف أنه في الأيام الأولى للثورة الإسلامية الإيرانية، أصدر الإمام الخميني فتوى تقضي بحماية اليهود كأقلية دينية، كما أن بعض المسؤولين الإسرائيليين أصولهم فارسية، ومن أبرزهم الرئيس الإسرائيلي السابق موتشيه كاتساف.
 
وشدد بارسي ، الذي ترأس في السابق المجلس القومي الأمريكي – الإيراني، على وجود تعاون استخباراتي وصفقات أسلحة ومحادثات سرية بين طهران وتل أبيب، موضحًا أن إسرائيل وإيران يمثل كل منهما للآخر حليفًا خارجيًا محتملًا.
 
وفي كتابه بعنوان: "التحالف الغادر: التعاملات السرية بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة الأمريكية"، أشار بارسي إلى اجتماعات سرية عديدة عقدت بين إيران وإسرائيل في عواصم أوروبية، طالب فيها الإيرانيون بالتركيز على المصالح المشتركة للبلدين في المنطقة.
 
وشرح في هذا الصدد الآليات وطرق الاتصال والتواصل بين الأطراف الثلاثة، التي تبدو ملتهبة على السطح ودافئة خلف الستار، في سبيل تحقيق المصلحة المشتركة التي لا تعكسها الشعارات والخطابات والتصريحات النارية بينهم.
 
فإيران– حسب العديد من الخبراء- ليست خصمًا للولايات المتحدة وإسرائيل كما كان الحال بالنسبة للعراق بقيادة صدام حسين، وأفغانستان بقيادة حركة طالبان، فطهران تعمد إلى استخدام التصريحات الاستفزازية، ولكنها لا تتصرف بناء عليها بأسلوب متهور يزعزع نظامها، وعليه فإن تحركات إيران لا تشكل خطرًا حقيقيًا بالنسبة لإسرائيل وأمريكا، بل إن هناك تشابهًا بين تل أبيب وطهران في العديد من المحاور، بحيث أن ما يجمعهما أكبر بكثير مما يفرقهما.
 
والواضح إذن أن واشنطن تحاول اللجوء إلى لاعبين إقليميين من خارج المحيط العربي، للعب دور في تشكيل ملامح الشرق الأوسط المستقبلية، ولتحقيق التوازن بين الشيعة والسنة في المنطقة.
 
الكيان الصهيوني.. المستفيد الأكبر
 
يشير الخبراء والمحللون إلى أن الترتيبات الجديدة الخاصة بالمنطقة لم تتم بمعزل عن الكيان الصهيوني، إذ يعتقد أنه صاحب الفكرة والمشروع، باعتبار أنه المستفيد الأكبر من تلك الترتيبات، وذلك على اعتبار أن إعادة تقسيم المنطقة من شأنها أن تجعل الكيان الصهيوني أكثر دول المنطقة تأثيرًا، فضلًا عن أنه سيكون أقواها، خاصة بعد وقف البرنامج النووي الإيراني، أو على الاقل عرقلة المساعي الإيرانية الخاصة بالحصول على القنبلة النووية، يضاف إلى ذلك أن من شأن تلك الترتيبات أن تساعد الكيان الصهيوني على الاندماج في المنطقة بشكل شرعي.

 
فلقد شهدت الايام الماضية، ارتفاع ضجيج الصراعات العربية – العربية، سواء داخل الدول وبين مكوناتها السياسية كما هو الحال في اليمن والعراق وسوريا، أو فيما بين تلك الدول وبعضها البعض كما هو حال السعودية واليمن، والسعودية والعراق، والامارات وقطر، لدرجة غطت على الصراع العربي الاسرائيلي، الذي لم يعد يأت أحد على ذكره في الآونة الاخيرة.
 
يحدث ذلك كله نتيجة للدعم الأمريكي غير المحدود للكيان الصهيوني، فبحسب الخبراء، تقدم الولايات المتحدة دعمًا خاصًا للكيان الصهيوني لا تحظى به أي دولة في العالم، ويتمثل هذا الدعم بالغطاء السياسي والقانوني الكامل لكل السلوك الصهيوني فيما يتعلق بخرق القانون الدولي، وإهمال قرارات الأمم المتحدة وتجاهلها، ومنع مجلس الأمن الدولي وأي مؤسسة في الأمم المتحدة من اتخاذ أي إجراء ضد الكيان ولأي سبب، وكذلك توفيره الحماية السياسية له، بل ودعمه سياسيًا في علاقاته الخارجية مع الدول الغربية وغيرها.
 
وعلى الصعيد الاقتصادي تقدم الولايات المتحدة دعمًا مباشرًا للكيان الصهيوني يقدر بـ 3 مليارات دولار، وتوفر له ضمانات قروض بنحو 10 مليارات دولار أخرى سنويًا أيضًا، كما تسمح الولايات المتحدة، وبتشجيع من اللوبي الصهيوني فيها، بتوفير نحو 14 مليار دولار دعمًا صهيونيًا غير حكومي للكيان من الولايات المتحدة وحدها، وتوفر له كذلك الكثير من أسرار التكنولوجيا والتجارة الحرة، وهو الدولة الأولى بالرعاية في التجارة العامة، كما توفر له دعمًا عسكريًا منقطع النظير، لإبقائه متفوقًا في كل المجالات على كل دول العالم الإسلامي وعلى الدول العربية مجتمعة، بما في ذلك توفير غطاء سياسي لحماية برنامجه النووي العسكري المشهور.
 
وبذلك فقد احتل الكيان الصهيوني في السياسة الخارجية الأمريكية مكانة الحليف الاستراتيجي الأهم في العالم، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، وهو يحظى بمزايا من هذا المستوى، واعتبر مصلحة أمريكية حيوية، كما اعتبر محيطه محيطًا حيويًا في رسم السياسة الخارجية الأمريكية، ومحددًا مهمًا لأي تحولات فيها.
 
استراتيجية أمريكا الجديدة
 
تعمل الولايات المتحدة الأمريكية منذ فترة طويلة على تعديل وتنويع استراتيجيتها تجاه منطقة الشرق الأوسط، لتتلاءم مع التغيرات التي تطرأ على المنطقة بين الحين والآخر، للحفاظ على أمن الكيان الصهيوني، وتأمين النفط والمصالح الاستراتيجية الأمريكية الأخرى.
 
 ويمكن تلمس معالم الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، من خلال الأدوار التي لعبتها في أفغانستان والعراق، ومن خلال الأدوار التي تلعبها مؤخرًا بمساعدة أوروبا في عدد من الملفات، سواء في سوريا أو لبنان أو فلسطين أو مصر أو الخليج العربي وتركيا، وهذه الاستراتيجية تقوم على عدة ركائز أساسيّة، هي:
 
 أولا: دعم الأقليّات في المنطقة
 
إذ تقوم الخطة الأمريكية الجديدة على استعمال ورقة الأقليات لزعزعة استقرار ووحدة الدول القائمة في الشرق الأوسط، لاسيما أن لهذه الورقة قوّة كبيرة، وقد تؤدي إلى مواجهات عنيفة تتفكك على إثرها الدولة إلى دويلات طائفية وعرقية، أو تضعف الدول كثيرًا في أحسن الأحوال؛ لأنّ الدولة في الشرق الأوسط بطبيعتها الحاليّة هي دولة قوميّة بالأساس، وتضم عددًا كبيرًا ومتنوعًا من الأعراق والطوائف والقوميات.
 
 وبطبيعة الحال فإن الدول التي تحويها القائمة الأمريكية في هذا المجال هي الدول الأكثر تنوعًا وامتزاجًا مثل: العراق، أفغانستان، السودان، سوريا، السعودية، اليمن، لبنان...إلخ، وذلك من أجل إعادة صياغة الواقع العرقي والطائفي والقومي وفق تركيبة تناسب المخططات الأمريكية، التي تهدف إلى تحقيق عدة أهداف أهمها:
 
1-  إضعاف الدولة القوميّة التي ترفض التغيير بحسب الوصفة المقدّمة على الطريقة الأمريكية.
 
2- ضمان عدم التحام هذه الأقليات والطوائف والأعراق، وضمان عدم ذوبانها، أو على الأقل انسجامها، مع الأغلبية في أي بلد من بلدان الشرق الأوسط في أي إطار جامع، وذلك من أجل أن تبقى هذه الأقليات برميل بارود يمكن تفجيره في الوقت الذي تراه القوى الغربية مناسبًا، وبالتالي أمريكا ستكون جاهزة للتدخل في أي مكان وزمان تراه مناسبًا في أي بلد من هذه البلدان، إذا رأت أن ذلك لمصلحتها، وبحجّة الحماية بطبيعة الحال.
 
3- تبرير وجود الكيان الصهيوني وتوسيع رقعة المشاكل والنزاعات الإقليمية الداخلية العرقيّة والقوميّة، لإشغال العالم العربي والإسلامي وشعوب هذه الدول بالمشاكل الداخلية المستجدّة لديهم، والمخاطر التي تتهدّد بلدانهم المعرضّة للتفتيت والتقسيم، حتى تصبح القضيّة الفلسطينيّة في آخر اهتمامات الشارع الإسلامي والدول الإسلامية.
 
4- إفساح المجال أمام الكيان الصهيوني للدخول والتغلغل في هذه الدول عبر الأقليّات، سواء القومية أو الطائفية أو العرقية، وما حدث مع الجنوب السوداني ومع أكراد العراق وشيعته خير مثال على ذلك.
 
5- الحرص على ألا تمتد دائرة نفوذ أي نظام سياسي عربي خارج إطار الدولة، سواء كان سياسيًا أو عسكريًا أو حتى اقتصاديًا في بعض الأحيان.
 
 ثانيًا: تحجيم نفوذ الدول الكبرى في المنطقة
 
ترتكز الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في المنطقة، في شقّها الثاني على تحجيم نفوذ الدول الكبرى تقليديًا في المنطقة، مثل السعوديّة التي من المفترض أن تشمل دائرة نفوذها الإقليمية على الأقل، دول الخليج العربي، وذلك لاعتبارات اقتصادية وديمغرافية وجغرافيّة وعسكرية. ومصر التي من المفترض أن تشمل دائرة نفوذها أو دائرة تأثيرها أيضًا منطقة شمالي إفريقيا والسودان وفلسطين على الأقل، وذلك أيضًا لأسباب ديمغرافيّة، اقتصاديّة، تاريخيّة...إلخ.
 
ولقد لجأت الولايات المتّحدة إلى هذه الخطّة في تحجيم نفوذ الدول الكبرى، نظرًا للتعقيدات الكثيرة والتشابكات الكبيرة التي تتركها دائرة نفوذ مثل هذه الدول الكبرى على الدول الأخرى، ممّا من شأنه أن يحد من التدخّل الأمريكي، بحيث يصعّب على الولايات المتّحدة التدخل في أي موضوع أو ملف لأي دولة تكون لهذه الدول الكبرى نفوذ فيها، إذ أن الأمر آنذاك سيتطلب من الولايات المتّحدة جهدًا مضاعفًا، ووقتًا مضاعفًا وتباحثًا مع جميع الأطراف، وربما جوائز ترضية للدول الكبرى، وربما قد تفشل في النهاية في الوصول إلى هدفها، أو قد تصل إليه بصعوبة.
 
 لكن عندما تكون دائرة نفوذ كل دولة محصور في إطارها الداخلي فقط، فإنّ ذلك يفيد الولايات المتّحدة من عدّة جوانب:
 
1- يسهّل ذلك على الولايات المتّحدة مهمّة التدخل بشؤون أي دولة دون تعقيدات تذكر، حيث تصبح العلاقة مباشرة وفردية بين الولايات المتّحدة والدول الأخرى، وبطبيعة الحال فإنّ الدول الأخرى في غالبها دول صغيرة وضعيفة في وجه الإملاءات الأمريكية، حتى لو أرادت فعلًا رفض ما يملى عليها.
 
2- أن تحجيم النفوذ يؤمن الاستفراد بالدولة الواحدة تلو الأخرى، دون أن يكون لها أي حليف أو نصير، وبالتالي فإنّ الملف يصبح أسهل والنتائج أضمن والإملاءات والشروط أكبر، والتهديدات بالعقوبات والعمليات العسكرية في حال عدم التنفيذ أجدى.
 
3- تفويت الفرصة على القوى الصاعدة، خاصة الصين للدخول الي المنطقة ومنافسة الولايات المتحدة والقوى الغربية في ثرواتها، والتحكم بدلًا من الولايات المتحدة في إمدادات النفط والغاز الصادر فيها.
 
 ويمكن ملاحظة ذلك في ثلاث حالات واضحة وصريحة، منها:
 
أ‌- السودان، حيث تمّ عزله عن محيطه العربي وتركه بمفرده في مواجهة أمريكا والقوى الدولية، بعد أن تم عزل مصر عن الملف إلى أن وصلت الأوضاع إلى ما وصلت إليه الآن، من صراع وانقسام ما بين شمال السودان وجنوبه.
 
ب‌- العراق الذي تمّ عزله ومحاصرته وقصفه وتدميره وتحجيم نفوذه، إلى أن وصل إلى ما هو عليه الآن من خراب ودمار.
 
ت‌- سوريا، التي تعاني صراعًا مستمرًا ما بين نظام بشار الاسد من جهة والمعارضة المسلحة بفئاتها المختلفة من جهة أخرى، لدرجة قضت على الدولة وجعلت مسألة بقائها محل شك.
 
ثالثا: التفكيك وإعادة التنظيم
 
في الواقع تحققت العديد من الأهداف الاستراتيجية الأميركية عن طريق سياسة "الصمت الاستراتيجي" الذي انتهجه الرئيس أوباما. ويمكن تحقيق الجزء الأكثر خطورة في المستقبل، وهو تفكيك المنطقة بأسرها والدول القومية وإعادة تنظيمها على أسس عرقية وطائفية ومذهبية، بطريقة تخدم المصالح الاستراتيجية الأمريكية.
 
ولنجاح عملية تفكيك وإعادة تنظيم المنطقة يُشتَرَط إشراك أكبر دول الشرق الأوسط- التي لا تزال سليمة إلى حد ما- في الصراعات المدمرة؛ مثل: إيران والمملكة العربية السعودية ومصر وتركيا. وهذا ما تسعى واشنطن إلى القيام به؛ من خلال استغلال رغبة إيران في التوسع بإعطائها الفرص لبسط سيطرتها، وهو ما يثير بدوره الدول العربية وتركيا ضدها. هذا السيناريو يسير على قدم وساق من خلال انقلاب الحوثيين في اليمن، المدعومين من إيران، ما أسفر عن استجابة سعودية (عملية عاصفة الحزم) لحماية نفسها من التهديد الإيراني الشيعي المُحدِق بحدودها الجنوبية.
 
فحسب الخبراء، كان الهدف من الموقف الأمريكي الضعيف تجاه الانقلاب الحوثي في اليمن قبل بضعة أشهر، رغبة واشنطن في طمأنة إيران، ودفعها لتحقيق المزيد من التقدم في القضية اليمنية، إذ أعرب البيت الأبيض عن قلقه إزاء تطور الأحداث في اليمن، وشدد على استمرار التنسيق مع الحوثيين لضرب تنظيم القاعدة في البلاد. واكتفت إدارة أوباما بتقديم دعم محدود لعملية عاصفة الحزم، من أجل تشجيع المملكة العربية السعودية على اتخاذ إجراءات جادة في مواجهة إيران، من أجل إفساح المجال للصراع بين إيران والمملكة العربية السعودية، الأمر الذي من شأنه أن يسهم في إضعاف الدولتين في نهاية المطاف، وهو ما يمثل تكرارًا للصراع السابق الذي دار ما بين العراق وإيران، وانتهي باحتلال العراق والقضاء عليه.
 
في السياق ذاته، تم التوصل إلى اتفاق لوزان بشأن البرنامج النووي الإيراني، بعد أن منح الرئيس أوباما شخصيًا هذه الاتفاقية دفعة، على الرغم من حقيقة أنها أغضبت حلفائها في المنطقة؛ بهدف منع إيران من امتلاك قنبلة نووية، ومنحها الأمل في رفع العقوبات المفروضة عليها، من أجل تشجيع طهران على مواصلة مشروعها التوسعي.
 
وعلى ما يبدو، فإن الولايات المتحدة عازمة على تكرار السيناريو السوداني في كل من اليمن والسعودية والعراق، بحيث تتمكن في النهاية من فرض إرادتها على الجميع، وبذلك تكون قد نجحت في تحقيق أهدافها الاستراتيجية الثابتة المتمثلة في الحفاظ على أمن الكيان الصهيوني، وحماية مصالحها في منطقة الشرق الأوسط.
 
السعودية ومحاولات البحث عن شركاء جدد
 
كشفت التطورات الإقليمية والدولية الأخيرة، أن المملكة العربية السعودية التي كانت رأس حربه في إفشال ثورات الربيع العربي، جزء أساسي من عملية إعادة الترتيب التي كانت تعد لها الولايات المتحدة في المنطقة، إلا أنه قد تم استغلالها للعب دور ظهرت تأثيراته العكسية على أمن واستقرار المملكة، بعد أن انكشفت المخططات الأمريكية، وظهر الدعم الأمريكي غير المباشر لجماعة الحوثي في اليمن، وأصبح التحالف الأمريكي ـ الإيراني واقعًا لا يمكن تجاهله، مما دفع المملكة لأن تسابق الزمن لإقامة حلف سني تستطيع من خلاله وقف آلة الزمن التي تستهدف تقسيمها وتهديد أمنها واستقرارها، وقد بدأت أولى تلك المحاولات عقب سيطرة جماعة الحوثي على اليمن، وانكشاف الغطاء الأمريكي الضامن لأمن واستقرار المملكة.
 
إذ سارعت المملكة لطلب دعم الدول السنية القوية في المنطقة، وعلى رأسها باكستان التي رفض برلمانها في البداية المشاركة بقوات عسكرية في عملية عاصفة الحزم، التي قادتها المملكة للقضاء على جماعة الحوثي في اليمن، الأمر الذي حتم على المملكة البحث عن شركاء جدد على رأسهم تركيا.
 
وفي هذا الصدد يشير المحلل الإسرائيلي بموقع "نيوز وان" ومدير إذاعة صوت "إسرائيل"، يوني بن مناحيم، إلى أن التطورات السياسية التي تحدث في الشرق الأوسط، تنذر بظهور تحالفات إقليمية جديدة، خاصة في ظل ظهور تغيير في موقف العلاقات السياسية بين الولايات المتحدة وإيران من جهة، وبين حماس وإيران والسعودية من جهة أخرى.
 
وحسب العديد من الخبراء، الملك سلمان غير راضٍ عن سياسة سلفه، الملك عبدالله، لأنها أدت إلى زيادة النفوذ الإيراني في المنطقة، ولذلك يرغب في انتهاج سياسات بديلة، وعلى رأسها إقامة حلف جديد يجمع وتركيا وباكستان والإخوان، لأنه المعسكر الوحيد الذي يمكنه مواجهة الخطط الأمريكية الخاصة بإشعال صراع طائفي في المنطقة، وضرب الأنظمة والممالك الخليجية بإيران من جهة، وبالطوائف الشيعية الكبيرة الموجودة بداخلها من جهة أخرى.
 
وقد تواترت الأنباء مؤخرًا بأن ثلاث دول إقليمية إسلامية تستعد لإعلان صيغة للتحالف "العسكري" والدفاعي، بعد أن وصلت الترتيبات الأولية إلى مراحلها شبه النهائية، وتنتظر الضوء الأخضر السياسي من الدول الثلاث للإعلان عنها، عبر مجلس دفاع مشترك ومناورات عسكرية ضخمة مشتركة، إذ نقلت صحيفة "رأي اليوم"، بدء السعودية وتركيا وباكستان التحضير لاتفاق استراتيجي عسكري وصفته بأنه "غير مسبوق"، وتنضج تفاصيله خلف الأضواء والكواليس.
 
 وكان رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف، قد زار السعودية مؤخرًا، والتقى العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، بعد الجدل الذي أثاره– داخل السعودية- قرار البرلمان الباكستاني الامتناع عن الانضمام إلى تحالف "عاصفة الحزم" ضد الحوثيين في اليمن، وأكد على وقوف باكستان إلى جانب السعودية في حربها ضد جماعة الحوثي في اليمن.
 
وفي هذا الصدد، وصف مدير الاستخبارات السعودية السابق «تركي الفيصل»، متانة التحالف السعودي - الباكستاني بالقول: «ربما كان أوثق العلاقات في العالم بين دولتين من دون أن تكون بينهما معاهدة رسمية».
 
 وكشفت تقارير صحفية أن باكستان يمكنها نقل أسلحة نووية إلى السعودية، أو ضم الأخيرة للمشروع النووي، في اللحظة التي تمتلك فيها إيران القنبلة النووية.
 
وعلى صعيد متصل، كشف تقرير لموقع "هفينجتون بوست" الإخباري، عن محادثات عالية المستوى جرت بين السعودية وتركيا بدعم قطري؛ لتنسيق المواقف المشتركة، وصياغة تدخل عسكري حاسم في سوريا لإسقاط الأسد، وإيقاف معاناة الشعب السوري؛ حيث أبرز التقرير إرهاصات زائدة لمساندة إيرانية لحليفها النظام السوري، وقد بدأت إرهاصات هذا الحلف بعد أن عمدت تركيا لتوجيه ضربات داخل العمق السوري، وإن كانت هذه الضربات موجهة حتى الآن لتنظيم داعش، وعناصر حزب العمال الكردستاني المسؤولة عن العمليات الإرهابية الأخيرة، التي أودت بحياة عشرات الأتراك على الحدود السورية التركية.
 
وأشار مدير شؤون الشرق الأوسط في معهد IHS لتحليل المخاطر فراس أبي علي، إلى أن هناك تقاربًا بين المملكة العربية السعودية وتركيا بشأن العديد من القضايا، مضيفًا أن إيران من المرجح أن تقدم مساعدات أكثر لإنقاذ "الأسد"، بعد رفع العقوبات الدولية عنها.
 
فنظرًا لتطورات الأوضاع في المنطقة بعد التحالف الأمريكي الإيراني، لم يعد أمام الممالك الخليجية خيار سوى وجود قوة عسكرية تخصهم، وهذا ما يؤكده العديد من المسؤولين الخليجيين.
 
وفي هذا الصدد حذرت دراسة نشرتها دورية "نظرة عليا"، التي يصدرها معهد بحوث الأمن القومي، التابع لجامعة تل أبيب، صانع القرار الإسرائيلي، من أن المملكة العربية السعودية تقود محاولات تشكيل محور سُني جديد، يضم تركيا وباكستان.
 
واعتبرت الدراسة أنه بالرغم من كون هذا المحور يركز اليوم على وقف الهيمنة الإيرانية على المنطقة، وبخاصة وقف هيمنتها على اليمن عبر الحوثيين، إلا أنه يشكل خطرًا مستقبليًا على إسرائيل، ولا سيما على خلفية الأزمة في العلاقات بين تل أبيب وأنقرة، والتي يبدو أنها ستتسبب في انضمام الأخيرة إلى المعسكر السُني بقيادة السعودية.
 
كما تعمل الرياض على تعزيز الكتلة السنية ضد إيران، بواسطة التقارب مع حركة حماس وجماعة الإخوان المسلمين، متجاهلة تحذيرات الرئيس عبدالفتاح السيسي، الخاصة بأن الإخوان يهددون أمن واستقرار المملكة، فحقيقة التطورات والتهديدات التي تتعرض لها المملكة العربية السعودية ودول منطقة الخليج العربي تفرض على الجميع التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين، باعتبار أنها الوحيدة التي تملك مشروعًا يمكنه مواجهة كل من التغلغل الشيعي الإيراني في المنطقة، والمحاولات الأمريكية لإدماج الكيان الصهيوني في منطقة الشرق الأوسط.
 
وقد تكون زيارة رئيس حركة المقاومة الاسلامية "حماس" للمملكة مؤخرًا، لتقوية هذا الحلف، وبحث سبل التعاون المشترك، لتحقيق عدة أهداف، أهمها: وقف التنسيق ما بين حماس وإيران، وتفويت الفرصة على إيران للعب بورقة المقاومة، واستخدامها وسيلة للوصول إلى الرأي العام العربي من جديد، لاستكمال مشروعها المتعثر، وفي الوقت نفسه إيجاد وسيلة للتواصل ما بين النظام السعودي والإخوان في جميع الدول العربية، وخاصة في دول الخليج العربي، للاستفادة من الوجود الإخواني في تلك الدول، لمساعدة الأنظمة الخليجية في مواجهة المد الشيعي على أرض الواقع.
 
ويعني ذلك أن المنطقة العربية بصدد الدخول في صراعات وصدامات، قد تغير من شكل المنطقة وتعيد تشكيلها من جديد، ما لم تنجح الأنظمة العربية في توحيد صفوفها والوقوف يدًا واحدة في مواجهة الهجمة الغربية، التي تقودها الولايات المتحدة بالتعاون مع بعض القوى الإقليمية، وعلى رأسها إيران، لتقسيم المنطقة وتحويلها إلى دويلات صغيرة متناحرة، بحيث تبقى لأمريكا والكيان الصهيوني السيطرة والهيمنة على المنطقة.



للمزيد من التفاصيل والاخبار تابعوا صفحتنا على الفيس بوك






شارك الخبر أصدقاءك:

لندك ان جوجل بلس أضافة للمفضلة طباعة الخبر
7993
لا تدع الأخبار تفوتك، أحصل على آخر الأخبار على بريدك:

تعليقات حول الخبر
  • الغرض من خدمة التعليقات هي إيضاح وجهات النظر المختلفة فنرجو إلتزام الموضوعية والجدية في التعليق
  • "التعليقات تمثل أصحابها" ، فالرجاء عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.


 
 
حمل تطبيقاتنا على جهازك أو هاتف الذكي وتابع معنا آخر الأخبار والمستجدات
 
 
 
كاريكاتيرات
 
 
فيديو
 



 

[ الكتابات والآراء تعبر عن رأي أصحابها ولا تمثل في أي حال من الأحوال عن رأي إدارة يمن برس ]  -  جميع الحقوق محفوظة لـ يمن برس 2006 - 2018 ©